يوسف المرعشلي

246

نثر الجواهر والدرر في علماء القرن الرابع عشر

التدريس وسافر إلى أقطار الهند وراح إلى الحجاز مرة ثانية وصحب شيخه مدة ، ثم عاد إلى الهند وأقام بموطنه في آخر صفر سنة خمس عشرة وثلاثة مئة وألف ، فلم يغادره إلا نادرا للتداوي أو لاضطرار ، وصار مرجعا في التربية والإرشاد وإصلاح النفوس وتهذيب الأخلاق ، تشدّ إليه الرحال ويقصده الراغبون في ذلك من أقاصي البلاد وأدانيها ، وانتهت إليه الرياسة في تربية المريدين وإرشاد الطالبين ، والاطلاع على غوائل النفوس ومداخل الشيطان ، ومعالجة الأدواء الباطنة والأسقام النفسية ، وهو ملتزم لمكانه ، يقصد ولا يقصد ، ويؤتى ولا يأتي ، وللإقامة في زاويته والاستفادة من مجالسه قيود والتزامات ، يحتملها الطالبون ، لا يلتزم ضيافة القاصدين شأن الزوايا ، بل يقومون بذلك بأنفسهم ، ويخص بعض الفضلاء وخاصة الزائرين بالضيافة ، ومع ذلك يؤمّه الطالبون من أنحاء بعيدة ، ويتحمّلون نفقاتهم . وكانت أوقاته مضبوطة منظمة ، لا يخلّ بها ولا يستثني فيها إلا في حالات اضطرارية ، وكان إذا انصرف من صلاة الصبح اشتغل بذات نفسه ، عاكفا على الكتابة والتأليف منفردا عن الناس ، لا يطمع فيه طامع إلى أن يتغدى ويقيل ويصلي الظهر ، فإذا صلى الظهر جلس للناس يكتب الردود على الرسائل ، ويقرأ بعضها للناس ويتحدث إليهم ، ويؤنسهم بنكته ولطائفه ، وكان حديثه نزهة للأذهان ، وفاكهة للجلساء ، بحيث لا يملون ولا يضيقون ، ويكتب بعض الحجب والتعويذات ، فإذا صلى العصر انفرد عن الناس واشتغل بشؤون بيته إلى أن يصلي العشاء ، فلا يطمع فيه طامع . وقد كان من كبار العلماء الربانيين الذين نفع اللّه بمواعظهم ومؤلفاتهم ، وقد بلغ عدد مجالس وعظه التي دوّنت في الرسائل وجمعت في المجاميع إلى أربع مئة مجلس ، وقد كان نفع كتبه ومجالس وعظه عظيما في إصلاح العقيدة والعمل ، واستفاد منها ألوف من المسلمين ، ورفض عدد لا يحصيه إلا اللّه العادات والتقاليد الجاهلية والرسوم والبدع التي دخلت في حياة المسلمين وفي بيوتهم وأفراحهم وأحزانهم بسبب الاختلاط الطويل بالكفار وأهل البدع والأهواء ، وقد كان له فضل كبير في تيسير الطريقة وتقريبها ، وتنقيح الغايات من الوسائل ، واللباب من القشور والزوائد . كانت له اليد الطولى في المعارف الإلهية ، ومهارة جيدة في التصنيف والتذكير ، ورزق من حسن القبول ما لم يرزق غيره من العلماء والمشايخ في العصر الحاضر ، قرأت عليه شطرا من « أصول الشاشي » وجزءا من « شرح الكافية » للجامي ، وبعضا من « شرح الشمسية » للرازي . وله مصنفات كثيرة ممتعة ما بين صغير وكبير وجزء لطيف ومجلدات ضخمة ، أحصاها بعض أصحابه فبلغت إلى نحو ثمان مئة ، منها نحو اثني عشر كتابا بالعربية ، منها : - « أنوار الوجود في أطوار الشهود » . - « التجلي العظيم في أحسن تقويم » . - « سبق الغايات في نسق الآيات » ، وغيرها . ومن مصنفاته في غير العربية : - « الإكسير في ترجمة التنوير » . - « التأديب لمن ليس له في العلم والأدب نصيب » . - « تحذير الإخوان عن تزوير الشيطان » . - « القول البديع في اشتراط المصر للتجميع » . - « القول الفاصل بين الحق والباطل » . - « تنشيط الطبع في إجراء القراءات السبع » . - « بيان القرآن » في الترجمة والتفسير في ثلاثين جزءا . - « التكشف عن مهمات التصوف » . - « تربية السالك وتنجية الهالك » . - « حياة المسلمين وتعليم الدين » . - « البوادر والنوادر » . - « إصلاح الرسوم » . - « مجاميع كثيرة لمجالسه وكلامه ولمواعظه » . وقد كان لكتابه « بهشتي زيور » الذي ألفه أصلا لتعليم البنات ، وضمنه المسائل الفقهية التي تشتد إليها